سهيلة عبد الباعث الترجمان
730
نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي
يحاول الجيلي أن يوضح لنا أمر هذا الفناء وذلك بإرجاعه إلى الاختيار الإلهي ، فهو ليس بأمر كسبي ، بل يتوقف حدوثه على الإرادة الإلهية ، والإرادة في العبد هي عين إرادة الحق ، فهي بنسبتها إلى العبد إرادة حادثة لأن الخلق حادث ، وبنسبتها إلى الحق فهي قديمة لأنها عين إرادته القديمة ، والسالك للطريق لابد له من التدرج في الإرادة حتى يصل إلى مرحلة الفناء الكامل وهي نهاية الطريق حيث يقول : " وهذا أخر مقامات الوصول والقرب ، فيه ينكر العارف معروفه فلا يبقى عارف ولا معروف ، ولا عاشق ولا معشوق ، ولا يبقى إلا العشق وحده ، والعشق هو الذات المحض الصرف الذي لا يدخل تحت اسم ولا رسم ولا نعت ولا وصف . . . فإذا امتحق العاشق وانطمس ، وأخذ العشق في فناء المعشوق والعاشق ، فلا يزال يفنى منه الاسم ، ثم الوصف ، ثم الذات ، فلا يبقى عاشق ولا معشوق ، فحينئذ يظهر العاشق بالصورتين ، ويتصف بالصفتين ، فيسمى بالعاشق ويسمى بالمعشوق " « 1 » وهنا تتجلّى الوحدة الكاملة وتنمحي الكثرة في وحدة الذات الإلهية . ويسوق الجيلي مثالا على حقيقة الفناء هذا من تجربة روحية مرّ بها وتحقق فيها بالفناء الكامل ، وجاءت صورة صادقة لحالة الصوفي في حال اضمحلال ذاته الإنسانية تحت أنوار الذات الإلهية وغيبته عن حاله فقال في تصويره لها : " تضمحل في هذا المنظر ذاتك ، وتفنى عن صفاتك وعنك وعن كل ما ينسب إليك من النعوت والأفعال والآثار ، فيتلاشى وجودك ، وينعدم تركيبك ، فلا تشاهد لك جسما ولا روحا ولا قلبا ولا سرا ولا صورة ولا معنى ، بل يتجلّى الحق عليك في جميع ذاتك ، فتنعدم تحت تجلّيه في جميع جهاتك ، فلا يبقى لك علم ولا عين ولا تماثل ولا حق ولا حقيقة ، قد أخذ عنك له فلا شيء منك بجهة من الجهات باق ، بل تلي عليك في هذا المنظر كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ « 2 » " « 3 » . - مراتب الفناء : والفناء من حيث هو ثمرة المجاهدة وقهر النفس اللوامة لدى الصوفي ، فهو لا يتحقق للصوفي دفعة واحدة إنما يمر بمراتب تسع يجتازها الفاني كي
--> ( 1 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 56 . ( 2 ) سورة القصص ، الآية : 88 ك . ( 3 ) الجيلي ، المناظر الإلهية ، ص 20 .